خليل الصفدي
370
أعيان العصر وأعوان النصر
أمسكوا مقيّدين إلى باب السلطان . وخلّف الأمير سيف الدين يلبغا اثني عشر ولدا أكبرهم أمير محمّد ، وعمره تقدير سبع سنين ، وكان له زوجتان : أخت صمغار وأخت بزلار ، وكان يحبها كثيرا ، وأم محمّد ، وهي أخت الخوندة أردو . وكان يتلو القرآن جيدا ، ويلازم تلاوته في المصحف ، ويحب أهل القرآن ويجالسهم ، ويحب الفقراء ، ولم يكن فيه شر ولا انتقام ، وقبل خروجه من دمشق أحضر إليه قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي إلى القصر ، ووقف أملاكه ، وخصّ الجامع الذي أنشأه بدمشق بمبلغ ستين ألف درهم في كل سنة من صلب ماله - رحمه اللّه تعالى - ، ومضى كأن لم يكن . ولم أر مثل ما ناله من السعادة التي فاضت عنه على والده ووالدته ، وإخوته وأقاربه ومماليكه ؛ لأن والده كان أمير مائة مقدم ألف ، وأخواه أميري طبلخاناة ، وولده أمير طبلخاناة ، وذو قرابته الأمير شهاب الدين شعبان أمير طبلخاناة ، ودواداره الأمير عزّ الدين طقطاي أمير طبلخاناة ، ومملوكه سيف الدين جوبان أمير عشرة ، وبقية مماليكه جماعة منهم لهم الإقطاعات الجيدة القوية في الحلقة . واعتنى بجماعة من أهل حماة وحلب ودمشق ، وخلّص لهم الطبلخانات ، وعلى الجملة فكانت سعادة زائدة عن الحد ، لكنها ختمت بهذا الشرّ الكبير الذي فاض عنه على ذويه ، فلا قوة إلا باللّه العلي العظيم . بقدر الصّعود يكون الهبو * ط فإيّاك والرتب العالية ومن جملة ما أرى من العز أنه كان قد توعّك ، وحصل له سوء مزاج ، فكان عند السلطان في المرقد وهو جالس ، ورجلاه إلى ركبتيه في حجر السلطان ، وهو يكبّسهما بيده ، ويرش الماورد على وجهه ، ويتولى تمريضه وطبّه وعلاجه ، وخدمته بنفسه ، وكان ولد السلطان ، وهو إبراهيم أكبر من أبي بكر قد مرض بالجدري ، فمات إبراهيم ودفن ، ولم يره أبوه ، ولا عاده شغلا منه بتمريض يلبغا ، فهذا نهاية في العز . ومن جملة الذلّ الذي رآه أن تولى خنقه في قلعة قاقون مشاعليّان ، ودفن في أرض قاقون جسدا بلا رأس ، اللهم خلّصنا من شرور هذه الدنيا الغرارة . وقلت أنا فيه ، وقد التزمت الزاي المشددة : فقد نال منه يلبغا فوق ما ابتغى * وقصّته تجلى على المتنزّه وأنزل من عند الثّريّا إلى الثّرى * وأمسكه صرف الرّدى في محزّه وألحفه العيش الغيظ رداءه * على لطف معناه ورقّة بزّه